09 mars 2009

إنهم قادمون ..!

صدقوني أيها السادة الكرام إن قلت لكم أني لم أذرف دمعة واحدة على كل هذا العدد الكبير من أطفال فلسطين؛ الذين غادرونا مع نهاية 2008 وبداية 2009 التي أرادتها إسرائيل  سنة حزن وقتل ودمار؛ ولم تترك لنا ولو فرصة قصيرة لنقول لكل طفل في هذا العالم العبثي العبارة المشهورة «كل عام وأنت بألف خير».. وعوضناها بعبارة «كل عام وأنت شهيد» لمن رحل و«كل عام وأنت شاهد» لمن بقي ..

الدموع تحجرت في مكانها لأن الشهداء لا يجب أن نبكيهم لأنهم «أحياء عند ربهم يرزقون».. وصدقوني إن قلت لكم إني رأيت بسمة ملائكية تعلو وجوه كل الشهداء  وسعادة غريبة تملؤهم بتحولهم من أطفال صغارٍ ضعافٍ؛ لا حول ولا قوة لهم في عالم دنيوي عاجز وبليد إلى طيور تسكن جنة الله الواسعة؛ لهم فيها ما يشتهون.. ولا يرون فيها دمارا ولا حصارا ولا يسمعون فيه نواحا و لا صراخا « إلا قيلا سلاما سلاما»..

لكن دموعا من نوع آخر لم أستطع أن أحبسها وذرفتها عيناي بحرارة و إحساس غريب امتزجت فيها الفرحة بالألم و اختلطت فيها المذلة بالفخر..حصل هذا عندما رأيت أطفال «مدرسة المنتزه» بمدينة وجدة يصرخون«هذا عار هذا عار... غزة في خطر».صراخهم كان قويا و عفويا لا يشكك فيه ولا يزايد عليه أحد. خرجوا من مدرستهم كوكبة واحدة دون سابق تأطير من أحد؛ يحملون أعلام فلسطينيه خطتها أناملهم الصغيرة وعلب ألوانهم ..

فرحت بهم لأني رأيت ثقافة جديدة بدأت تزرع نبتتها في قلوب هؤلاء الصغار؛ وتنقش حروفها في ذاكرتهم البيضاء كالثلج.. إنها ثقافة الاحتجاج والرغبة في التغيير  برفضهم للظلم والقهر؛ خلافا لتلك الثقافة التي لازمتنا منذ أن كنا بمثل سنهم: «ثقافة القمع »و«شُوفْ و اسْكُتْ» وثقافة «اخْرجْ تَلْعَبْ هَادْ أشّي بْعِيدْ عْلِيكْ» والقليل من كان ينجو من صفعة عنيفة لمعلم أو مدير أو أب أو رجل أمن؛ ملازمة لذلك التعنيف اللفظي ..

وفي الوقت نفسه تألمت لأجلهم لأننا نحن الكبار حمَّلنا هؤلاء الصغار ما لا طاقة لهم به؛ حين تنحَّينا جانبا وتركنا إخوة لهم يموتون أمام أعينهم..حرمناهم من حصص رسومهم المتحركة وجلدناهم بقناة الجزيرة على مدار الساعة ولم نخجل منهم.. حتى رق حالهم لحال أطفال فلسطين وجرى الإحساس بالذنب مجرى الدم في شرايينهم التي لا تتحمل الضغط كما تتحمله شراييننا التي تضخمت وتورمت و لم تأخذ منها كل تلك المشاهد «لا حقا ولا باطلا» ...

            شعور المذلة لا زمني أيضا؛ إذ كيف سأشرح سر هذا العار والجبن والخذلان الذي نغرق فيه إذا ما توجه إلي أحدهم بسؤاله الطفولي المشاكس؟!كيف سأشرح له أن "العرب ليسوا إلا ظاهرة صوتية" على حد تعبير عبد الله القصيمي.؟! وإن سألني لماذا لا يتحرك العرب لفعل شيء لأطفال فلسطين؟ هل أجيبه بالحقيقة المرة وأقول له أننا يا بني شجبنا ونددنا وهذا كل ما بوسعنا ؛وعجزنا  حتى على الاتفاق حول قمة عربية طارئة  تتفرق فيها السبل  قبل أن تنعقد..وهل اذهب أبعد من هذا وأقول له أننا أمة فقدت عذريتها وتهتكت كرامتها وأصبحت لا تستحق الحياة! لأن من لا شرف له لا حياة له.. أليس نحن من ندرسه البيت المشهور:

"لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ///حتى يراق على جوانبه الدم .

أم أتركه لحيرته  إلى أن يكتشف يوما كل شيء بنفسه. ؟!

لكن هل سأسلم أنا أمام سؤال الضمير الذي يطاردني؟! وهل هناك أكبر جبن و مذلة من أن نُعَلِّمَ أطفالنا أشياء بينما يلاحظون علينا عكسها؛ وننهاهم عن أمور ونأتي مثلها؟!

أليس أكبر نفاق أن نتبجح أمامهم بتاريخ ولَّى وبأنه كان لدينا قائد اسمه "صلاح الدين" نحر الغزاة على أسوار مدينة القدس؛ وعندما نادتنا اليوم لم نجد بيننا رجلا يخرجنا من ورطة دهشتهم؛ ويطرد سفير إسرائيل خارج أسوار مدينتنا. ؟!

أليس أكبر كذبة أن ندرسهم  في مادة الجغرافيا بأننا وطن يمتد من المحيط إلى الخليج وعندما غرقت غزة في الظلام والدمار والموت أصبحنا شعوبا وقبائل نأكل بعضنا بعضا:

فهذا يتهم ذاك بالخيانة والآخر يرد عيله بالتآمر ..

ومن شيوخ قبائلنا من تغيرت ملامحه وأصبحت أقرب إلى ملامح اليهود منها إلى ملامح العرب المسلمين بعدما تفشى السم الإسرائيلي فينا..

     ومنا من أصبح لا يصدق برهانا اسمه المقاومة؛  و يشدد أن توقف هذه الأخيرة صواريخها قبل أن يُرَقِّصَ ذيله لإسرائيل ويتوسل إليها لعلها توقف زحفها  البري و قصفها الجوي وترفع حصارها التجويعي...

ومنا من نسي بطولات عمر بن العاص ولا زال يثق في دبلوماسية عمر موسى الذي "لا يحل ولا يربط" أمام "تسيبني ليفني" التي تخرجت على يد كبار الدمويين في جهاز الموساد...

ومنا من نسي آياته السماوية ولا زال يصدق تلمود "شيمون بيريز" الذي كلما عاهد عهدا نقضه فريق من حكومته ...     

من الآخر إذن لقد سقطت  أقنعتنا أمامكم يا أطفال " المدارس "..واكتشفتم قصة الغول باكرا.. ليس مثل غولنا الذي كبر معنا وصدقناه حتى عشَّشَ في دماغنا وفَرَّخَ جبنا وخوفا وتخاذلا تطالعوه كل يوم في ملامحنا...

حتى التاريخ ملّ منا ومن كذبنا عليكم.. وأخذ أمره بيده ليؤرخ لكم الوقائع صوتا وصورة ويحذركم من قراءة تاريخنا الأصفر..

  فها انتم قد كبرتم قبل  وقتكم ونحن السبب.. وعرفتم باكرا جدا أن "غزة فعلا زمر عزة " لهذا أنا احتفظ في دموعي بشيء من الفخر بكم .. وأن القذائف الحارقة لإسرائيل إن كان لها من فضل فقد أحرقت في دواخلكم آخر ذرة جبن وآخر كذبة اسمها " شالوم"..! وأن السلام الحقيقي والدائم يصنعه الثوار الأقوياء أما الجبناء فيصنعون الاستسلام وهذا هو ما ترونه اليوم فينا..

إسرائيل اليوم تعلمكم -عن غير قصد منها - أن لا ترحموها كما لم ترحم طيبوبتكم وطهارتكم..

إسرائيل تجلدكم كل صباح بنشيدها الدموي وتخبركم أن أبائكم جبناء إلا المرابطون لها كشوكة في حلقها.. لم تستطع أن تتخلص منها لهذا تنتقم من الأطفال كي لا يكبروا وتتجبر الشوكة أكثر..

بكل بساطة إسرائيل تحضر فكرا يحفر قبرها ..

فلا شك أنكم قادمون... قادمون... وستكونون أهلا لدفنها...

إنهم قادمون ..!

بقلم رشيد قدوري

Posté par rachdan à 17:23 - Commentaires [0] - Permalien [#]


Commentaires sur إنهم قادمون ..!

Nouveau commentaire